صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

114

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

أما عن الأول فإنا نعني بالعدد ما يكون مؤلفا من الآحاد والاثنين كذلك فهو عدد سواء كان زوجا أو فردا وأما الواحد فإنما لم يكن عددا لأنه ليس مؤلفا من الوحدات لا لأنه فرد فظهر الفرق بين الاثنوة والوحدة وأصحاب الحقيقة لا يلتفتون في تحقيق ماهيات الأشياء إلى أمثال هذه المقايسات والاعتبارات الخارجة عن الحقائق بوجه من الوجوه وليس كون الوحدة غير عدد لأجل أنها فرد أو زوج بل لأنها لا انقسام فيها إلى وحدات ولا يكون الثلاثة عددا إلا لما ذكرنا لا لكونها فردا أو زوجا فالزوجية والفردية اعتباران خارجان عن كون العدد عددا وأما عن الثاني فقولهم الوحدات لفظ جمع فلا يتناول الاثنين باطل لأنا لا نعني بالوحدات إلا ما زاد على الواحد لا ما يعنيه النحويون من لفظ الجمع وأن أقله ثلاثة على أنهم ليسوا متفقين في ذلك والحكيم لا يبالي بأن لا يوجد زوج غير عدد وإن كان في الوجود فرد ليس بعدد وحيث لا ملازمة ولا علاقة ذاتية بين سلب العدد من الواحد وسلبه عن غيره فليس يجب عليه أن يتعب نفسه في طلب زوج ليس بعدد من جهة وجدان فرد ليس بعدد وأما عن الثالث فليس من شرط العدد الأول أن لا يكون له نصف مطلقا بل أن لا يكون له نصف هو العدد لأن المراد من العدد الأول أن لا يكون مركبا من الآحاد ومن الآحاد ما هو فوق واحد كما مر ومن العدد مطلقا ما يكون منفصلا يوجد فيه الواحد بالفعل بخلاف الكم المتصل بما هو متصل واعلم أن كل عدد فله كثرة في نفسه على معنى أن فيه آحادا فوق واحد وهو من هذه الجهة كم منفصل ويكون له كثرة أخرى إضافية وهي أن يوجد فيه ما في الشيء الآخر وزيادة وحينئذ يوصف الزائد بكونه كثيرا والناقص بكونه قليلا والكثرة بهذا المعنى من باب المضاف بالعرض لأنه مقول بالقياس إلى الغير والاثنان كثير بالمعنى الأول وليس كثيرا بالمعنى الثاني لأنه ليس تحته عدد ليكون هو بالقياس إليه كثيرا لكنه يعرض له أن يكون قليلا بالقياس إلى سائر الأعداد وعند هذا التحقيق عاد من أنكر كون الاثنوة عددا فقال الاثنان لو عرضت له القلة الإضافية لعرضت له الكثرة الإضافية كما في سائر الأعداد لكن يستحيل أن يعرض الكثرة الإضافية للاثنين فيستحيل أن يعرض له القلة الإضافية وكل ما لا يكون بالإضافة إلى شيء من الأعداد قليلا وبالإضافة إلى عدد آخر كثيرا فهو ليس بعدد فالاثنان ليس بعدد والجواب أنه لا يلزم إذا كان سابق الأعداد عرضت له الإضافتان معا أعني الكثرة والقلة الإضافيتين وجب أن لا يوجد شيء إلا وله الإضافتان وامتنع أن يوجد شيء يعرض له إحدى إضافتين فقط وليس إذا وجدت موجودات هي علة ومعلول يجب أن يكون كل موجود علة ومعلولا ولا أيضا إذا وجدت أفلاك كل منها ذو محوي وجب أن لا يوجد فلك هو حاو وليس بمحوي أو محوي وليس بحاو أو إذا وجد جنس هو نوع وجب أن يكون كلي جنس نوعا ولا يوجد شيء هو جنس وحده إذ لو وجب ذلك لزم التسلسل بل يجب أن يكون العدد الأول من حيث هو أول لا يعرض له الإضافتان إذ لو عرضت له الإضافتان يكون إحداهما بالنسبة إلى عدد تحته وقد فرض أنه ليس تحته عدد على أنه ليس عروض القلة الإضافية لعدد ما سبب عروض الكثرة الإضافية له بالقياس إلى شيء آخر بل لأجل عروض الكثرة الإضافية لشيء آخر وذلك الشيء بالقياس إليه كثير والاثنوة هي القلة التي أقل القليلات أما قلتها فبالقياس إلى عدد فإنها أنقص من كل عدد غيره وأما أقليتها فلأنها ليست بكثير كثرة بالنسبة إلى عدد وإذ لم يقس الاثنوة إلى شيء آخر لم يكن قليلة وأما سائر الأعداد فهي كثيرة في ذواتها بالمعنى الأول وقليلة بالقياس إلى ما فوقها وكثيرة بالقياس إلى ما تحتها وكذلك الطول والعرض والعظم فكل خط طويل في ذاته بالمعنى الحقيقي فله طول بالإضافة إلى خط آخر هو أقصر منه وقصر بالإضافة إلى آخر هو الأطول وقد يعرض له الأطولية والأقصرية وكل منهما إضافة في إضافة فالأطول ما له طول بالقياس إلى خط له طول أيضا بالنسبة إلى ثالث والأقصر هو قصير بالقياس إلى قصير آخر وكذلك حال العرض في السطح والثخانة في الجسم في مثل هذه الاعتبارات واعلم أن الحقيقي من الكم المتصل لا يوجد له فيه مقابل وجودي فلا يوجد في الطول المطلق أعني الخط مبدأ حقيقي حصل منه الخط وكذا لا يوجد في المضاف منه خط قصير لا أقصر منه وهكذا في السطح والجسم والزمان بخلاف المنفصل فالكثرة المطلقة لها مقابل هي الوحدة لا تقابل التضاد ولا السلب والإيجاب والعدم والملكة بل تقابل المتضايفين أي إضافة ذي مبدأ مع مبدأ وإضافة المكيل والمكيال كما ستعلم في الفصل الآتي وأما الكثرة المضافة فهي مقابل القلة تقابل الإضافة أيضا ولكن نوعا آخر من هذا التقابل [ الفصل السادس : في تقابل الوحدة والكثرة ] قوله فصل في تقابل الواحد والكثير هذا الفصل في بيان تحقيق